فهرس الكتاب
ـ [اسلام سلامة علي جابر] ــــــــ [30 - 06 - 10, 05:12 ص] ـ
شخص يسأل: كنت متوسط الحال أو أقرب للفقر، ثم تزوجت من زوجتي الأولى، وسكنت معي في بيت أهلي، وصبرت معي في حياتي، وتشاركنا الأفراح والأتراح، والآن قد منَّ الله عليَّ وأغناني من فضله، وأصبحت أملك الملايين بما يكفي للنفق العادلة - بإذن الله - والآن أنا أرغب في الزواج بأخرى. فسؤالي هو: هل يعتبر زواجي بأخرى وأنا في حالة غنى وثراء ظلمًا لزوجتي الأولى التي عاشت معي في عيشتي الصعبة مسبقًا؟. جزاكم الله خيرًا وبانتظار جوابكم مفصلًا.
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
الزواج من ثانية - في الأصل - ليس ظلمًا للزوجة الأولى، والزواج من ثالثة ليس ظلمًا للأولى والثانية، والزواج من رابعة ليس ظلمًا لمن سبقها، ومن قال ذلك: فقد نسب للشرع المطهر ترغيبه بالظلم! وهذا مُحال، فالظلم قبيح وهو محرَّم بالإجماع، والظلم هو التعدي على الآخرين، وأخذ حقوقهم، فأين حق الأولى المأخوذ منها ظلمًا وبغيًا بتزوج زوجها عليها من أخرى؟!.
فالتعدد في الزوجات ليس ظلمًا بحد ذاته وفي أصل تشريعه، وإنما يأتي الظلم من سلب حقوق الزوجة الأولى - مثلًا - وعدم الإيفاء بما أوجب الله تعالى عليه تجاهها، وهذا الظلم قد يقع على الزوجة الثانية!، وقد يقع الظلم من صاحب الزوجة الواحدة، بل هو الأكثر، وهذه المحاكم الشرعية تعج بالقضايا، والنسبة العظمى منها هي لزواجات لأصحاب زوجة واحدة، فالظلم يقع في تصرفات الزوج وليس في أصل تزوجه، فمن يميل مع الزوجة الثانية مع سلب الأولى حقوقها من المبيت والنفقة والمسكن: فيكون ظالمًا لها، ومن يعطي كل واحدة حقَّها: فلا يكون ظالمًا.
قال علماء اللجنة الدائمة - وسئلوا إن كان تزوج الزوج من أخرى يعد ظلمًا للأولى:
ليس في النكاح المذكور ظلم للزوجة الأولى؛ لأن الله سبحانه أباح التعدد، فقال تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) .
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (18/ 444، 445) .
ثانيًا:
وأما تزوج الزوج من أخرى بعد أن أغناه الله وصار قادرًا على العدل بين زوجتيه، فلا حرج فيه، وليس هذا من الظلم في شيء؛ إلا أن يسيء عشرة زوجه الأولى، أو يتنكر لفضلها وصبرها معه.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله:
ومع هذا فإنما يباح له ذلك إذا أمِن على نفسه الجور والظلم، ووثق بالقيام بحقوقهن، فإن خاف شيئًا من هذا: فليقتصر على واحدة، أو على ملك يمينه؛ فإنه لا يجب عليه القسْم في ملك اليمين.
(ذَلِك) أي: الاقتصار على واحدة أو ما ملكت اليمين.
(أَدْنَى أَلا تَعُولُوا) أي: تظلموا.
وفي هذا أن تعرُّض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم، وعدم القيام بالواجب - ولو كان مباحًا: أنه لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية؛ فإن العافية خير ما أعطي العبد.
"تفسير السعدي" (ص 163) .
وأما ما يحصل بين الضرات من خصومات، فهذا يحصل مثله، أو أشد منه، بين أفراد الأسرة الواحدة، فلا يكون مثل ذلك مانعا للعقلاء من تحقيق المصالح المرجوة بزواجه الثاني، إذا رغب فيه، أو احتاج إليه.
وأما ما تظنه الزوجة الأولى أن زوجها ظلمها بمشاركة الزوجة الثانية لقلبه أو لماله؛ فإن أمر الرزق مكفول من الله تعالى، فهو خالقه، ومقسمه بين عباده:
وما يدري الفقيرُ متى غِناه ... وما يدري الغَنيُّ متى يَعيلُ
وأما المشاركة في مودة القلب؛ فمن ذا الذي يدعي أن القلب لن يسع زوجتين وأكثر، سوى خيالات الشعراء، وكلام العشاق، ومن تأثر بهم؟!
أوليس الوالد يتسع قلبه لمودة ولدين، وأكثر، إلى ما شاء الله؟! فما الذي يضيق قلبه بزوجتين أو أكثر مما أحل الله؟!
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)