حتى إنه لبث شهر يقنت في صلاة الفجر، داعيًا على قبائل سليم التي عصت الله ورسوله [1] فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء صلاة الصبح، في دبر كل صلاة، إذ قال: (سمع الله لمن حمده) من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من بني سليم، على رعل وذكوان وعصية ويؤمِّن من خلفه [2] قال أنس بن مالك رضي الله عنه: وذلك بدء القنوت وما كنّا نقنت [3] .
لكن ذلك لم يفتَّ في عضد المسلمين، ولافتَّر من حميتهم في الدعوة إلى الله ولاكسر من عزمهم في مواصلة الدعوة وخدمة دين الله، لأن مصلحة الدعوة فوق الأنفس والدماء، بل إن الدعوة لايكتب لها النصر إذا لم تبذل في سبيلها الأرواح، ولاشيء يمكِّن للدعوة في الأرض، مثل الصلابة في مواجهة الأحداث والأزمات، واسترخاص التضحيات من أجلها.
إن الدعوات بدون قوى أو تضحيات، يوشك أن تكون بمثابة فلسفات وأخيلة، تلفها الكتب، وترويها الأساطير، ثم تطوى مع الزمن.
إن حادثتي الرجيع وبئر معونة تبصرنا بالمسؤولية الضخمة عن دين الله، والدعوة إليه، ووضعت نصب أعيننا نماذج من التضحيات العظيمة التي قدمها الصحابة الكرام من أجل عقيدتهم ودينهم ومرضاة ربهم.
إن للسعادة ثمنًا، وإن للراحة ثمنًا، وإن للمجد والسلطان ثمنًا، وثمن هذه الدعوة: دم زكيٌّ يهراق في سبيل الله من أجل تحقيق شرع الله ونظامه وتثبيت معالم دينه على
(1) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص 151.
(2) انظر: سنن ابي داود في الصلاة، باب القنوت في الصلوات: 1443.
(3) البخاري، رقم 4088.