وهو الذي يقال له - المعتق ليموت - أو أعتق الموت -فاستجاش [1] عليهم عامر بن الطفيل بني عامر فأبوا أن يطيعوه، وأبوا أن يخفروا ملاعب الأسنة، فاستجاش عليهم بني سليم، فأطاعوه، فاتبعهم بقريب من مائة رجل رام فأدركهم ببئر معونة، فقتلوهم إلا عمرو بن أمية [2] ومن حديث أنس رضي الله عنه قال: جاء ناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أن ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام، يقرأون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا، أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا عنك ورضيت عنا [3] .
وفي هذه الحادثة المؤلمة، والفاجعة المفجعة دروس وعبر وفوائد منها:
لابد للدعوة من تضحيات:
رأينا كيف غدر حلفاء هذيل بأصحاب الرجيع من القُرّاء، الذين أرسلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - معلمين ومفقهين في غزوة الرجيع، وهاهنا عامر بن الطفيل يغدر بالسبعين القراء، الذين استنفروا للدعوة إلى الله، والتفقيه في دين الله في مجزرة رهيبة دنيئة، وذلك في يوم بئر معونة.
وقد تركت هذه المصائب في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثار غائرة، بعيدة الأعماق
(1) استجاش: طلب لهم الجيش وجمعه.
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص 322.
(3) مسلم في الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد رقم 677.