الأَبْصَار - وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّار - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ - (سورة الحشر، الآيات 2،3،4) .
إن المتأمل في هذه الآيات الكريمة يتبين له أن الله هو الذي أخرج يهود بني النضير من ديارهم الى الشام حيث أول الحشرهم في حين أن كل الأسباب المادية معهم حتى اعتقدوا أنه لا أحد يستطيع أن يخرجهم من حصونهم لمتانتها وقوتها.
لكن الله خالف الأسباب والمسببات جاءهم من حيث لم يحتسبوا جاءهم من قلوبهم التي لم يتوقعوا أنهم يهزمون بها فقذف فيها الرعب فإذا بهم يهدمون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وهذا الأسلوب القرآني الفريد يربي الأمة بالأحداث والوقائع وهو يختلف تمامًا عن طريقة أهل السير، ويمتاز بأنه يكشف الحقائق ويوضح الخفايا، ويربط الأحداث بفاعلها الحقيقي وهو رب العالمين، ومن ذلك أنها بينت أن الذي أخرج بني النضير هو الله جل جلاله {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} .
واستمرت الآية الكريمة تبين أن يهود بني النضير حسبوا كل شيء وأحاطوا بجميع الأسباب الأرضية لكن جاءتهم الهزيمة من مكان اطمأنوا إليه وهو أنفسهم فإذا الرعب يأتي من داخلهم فإذا بهم ينهارون في أسرع لحظة، لذلك يجب على كل إنسان عاقل أن يعتبر بهذه الغزوة وأن يعرف أن الله هو المتصرف في الأمور وأنه لاتقف أمام قدرته العظيمة لا الأسباب ولا المسببات فهو القادر على كل شيء فعلى الناس أن يؤمنوا به تعالى ويصلحوا أمرهم فإذا اتبعوا أمر الله أصلح الله لهم كل شيء وأخرج أعداءهم من حيث لم يحتسبوا.
إن هذه الغزوة درس للأمة في جميع عصورها تذكرهم أن طريق النصر قريب وهو الرجوع إلى الله والاعتماد عليه والتسليم لشريعته، وتقديره حق قدره، فإذا عرف ذلك المؤمنون نصرهم الله ولو كان عدوهم قويًا وكثيرًا فإن الله لايعجزه شيء وأقرب شاهد واقعي لذلك هو