شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ.
فهؤلاء اليهود في الظاهر تراهم مجتمعين صفًا واحدًا ضد المسلمين لكن الآية تبين أنهم عكس ذلك في الحقيقة فهم (بأسهم بينهم شديد) ، أي: عداوتهم بعضهم لبعض شديدة (تحسبهم جميعًا) أي: تظنهم مجتمعين على أمر ورأي ولكنهم في الحقيقة (قلوبهم شتى) أي متفرقة.
وقوله سبحانه: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} .
أي: بسبب أنهم قوم لايعقلون الحق ولايدورون معه، وإنما يدورون في ركاب الباطل [1] .
وفي الآية تجسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتال اليهود، لأنهم عرفوا من رب العالمين بأن اليهود جبناء ثم بين سبحانه أن مانزل ببني النضير من بلاء بسبب غدرهم، قد نزل مايشبه بإخوانهم من بني قينقاع فذاقوا جزاء خيانتهم وغرورهم قال تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
ثم ضرب الله مثلًا آخر للمنافقين، الذين أغروا بني النضير بالمقاومة ثم خذلوهم عند المحنة، فقال تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ - فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ -} يعني مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين وقول المنافقين لهم لئن قوتلتم لننصرنكم ثم لما حقت الحقائق وجد بهم الحصار والقتال تخلوا عنهم وأسلموهم للهلكة مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سول للإنسان -والعياذ بالله- الكفر فإذا دخل فيما سوله له تبرأ منه، وتنصل وقال: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} وقوله: فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ
(1) انظر: حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول (1/ 293،294) .