أخبر سلمان الفارسي - رضي الله عنه - في قصة إسلامه المشهورة عن راهب عمورية حين حضرته المنية قال لسلمان: إنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجره الى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لاتخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فأفعل) [1] .
ثم قصّ سلمان خبر قدومه الى المدينة واسترقاقه، ولقائه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين الهجرة، واهدائه له طعامًا على أنه صدقة فلم يأكل منه الرسول، ثم أهدائه له طعامًا على أنه هدية وأكله منه، ثم رؤيته خاتم النبوة بين كتفيه، وإسلامه على أثر ذلك) [2] .
ومن ذلك إخبار أحبار اليهود ورجالاتها بقرب مبعثه عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قصة ابي التيهان الذي خرج من بلاد الشام ونزل في بني قريظة ثم توفي قبل البعثة النبوية بسنتين، فإنه لما حضرته الوفاة قال لبني قريظة: يامعشر يهود، ماترونه أخرجني من أرض الخَمْر والخَمير -الشام- الى أرض البؤس والجوع -يعني: الحجاز-؟ قالوا: أنت أعلم، قال: إني قدمت هذه البلدة أتوكَّفُ -انتظر- خروج نبي قد أظلَّ زمانه، وكنت أرجوا أن يبعث فأتبعه.
وقد شاع حديث ذلك وانتشر بين اليهود وغيرهم حتى بلغ درجة القطع عندهم، وبناء عليه كان اليهود يقولون لأهل المدينة المنورة: إنه قد تقارب زمان نبي يُبْعث الآن، نقتلكم معه قلت عادٍ وإرم [3] ، وكان ذلك الحديث سببًا في إسلام رجال من الأنصار وقد قالوا: (إن مما دعانا الى الاسلام مع رحمة الله تعالى وهداه، لما كنا نسمع من رجال اليهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا
(1) انظر: السيرة النبوية لابن كثير (1/ 300) .
(2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/ 122) .
(3) انظر: دراسة تحليلية، د. محمد قلعجي، ص 107.