المشركون كتيبة غليظة نحو مقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاتلهم المسلمون يومًا إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر دنت كتيبة، فلم يقدر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا، وشغل بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يصل العصر، ولم تنصرف الكتيبة إلا مع الليل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) [1] .
ثالثًا: محاولة النبي - صلى الله عليه وسلم - تخفيف حدة الحصار بعقد صلح مع غطفان، وبث الإشاعات في صفوف الأعداء:
1 -سياسة النبي - صلى الله عليه وسلم - في المفاوضات مع غطفان: ظهرت حنكته - صلى الله عليه وسلم - وحسن سياسته حين اختار قبيلة غطفان بالذات لمصالحتها على مال يدفعه إليها على أن تترك محاربته وترجع إلى بلادها، فهو يعلم - صلى الله عليه وسلم - أن غطفان وقادتها ليس لهم من وراء الإشتراك في هذا الغزو أي هدف سياسي يريدون تحقيقه أو باعث عقائدي يقاتلون تحت رايته، وإنما كان هدفهم الأول والأخير من الاشتراك في هذا الغزو الكبير هو الحصول عل المال بالإستيلاء عليه من خيرات المدينة عند احتلالها ولهذا لم يحاول الرسول - صلى الله عليه وسلم - الاتصال بقيادة الاحزاب من اليهود (كحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع) أو قادة قريش كأبي سفيان بن حرب، لأن هدف أولئك الرئيسي، لم يكن المال وإنما كان هدفهم، هدفًا سياسيًا وعقائديًا يتوقف تحقيقه والوصول إليه على هدم الكيان الإسلامي من الأساس، لذا فقد كان اتصاله (فقط) بقادة غطفان، الذين (فعلًا) لم يترددوا في قبول العرض الذي عرضه عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - [2] ، فقد استجاب القائدان الغطفانيان (عيينة بن حصن، والحارث بن عوف) لطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضرا مع بعض أعوانهما إلى مقر قيادة النبي
(1) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق (5/ 58) رقم 4111.
(2) انظر: غزوة الاحزاب، محمد احمد باشميل، ص 201.