فهرس الكتاب

الصفحة 1121 من 1638

ولاخبر عندهم لها ... وبعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد وقطعت أطناب الفساطيط [1] ، وأطفأت النيران وأكفأت القدور وجالت الخيول بعضها في بعض، وأرسل عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب المعسكر حتى كان سيد كل خباء يقول: يابني فلان هلم إليّ، فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء، لما بعث الله عليهم الرعب [2] .

وحرص الرسول عليه الصلاة والسلام أن يؤكد لصحبه ثم للمسلمين في الأرض، أن هذه الأحزاب التي تجاوزت عشرة آلاف مقاتل لم تُهزم بالقتال من المسلمين -رغم تضحياتهم- ولم تهزم بعبقرية المواجهة، إنما هزمت بالله وحده {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} (سورة الأحزاب، آية:9) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: (لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلاشيء بعده) [3] .

ودعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربه، واعتماده عليه وحده، لايتناقض أبدًا مع التماس الأسباب البشرية للنصر، فقد تعامل - صلى الله عليه وسلم - في هذه الغزوة مع سنة الأخذ بالأسباب، فبذل جهده لتفريق الأحزاب، وفك الحصار، وغير ذلك من الأمورالتي ذكرناها [4] .

إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا سنة الأخذ بالأسباب وضرورة الإلتجاء إلى الله وإخلاص العبودية له، لأنه لاتجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوفر وسيلة التضرع إلى الله والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة، فقد كان الدعاء والتضرع إلى الله من الأعمال

(1) الفساطيط: جمع فسطاط نوع من الأبنية في السفر وهو دون السرادق.

(2) انظر: تفسير القرطبي (14/ 144) .

(3) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق (5/ 59) رقم 4114.

(4) انظر: فقه السيرة النبوية للغضبان، ص 503.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت