فقد شاءت إرادة المولى -تعالى- أن يعيد الأمر في بني قريظة كله إليه، وأن يطلب بني قريظة أن يكون الحكم فيهم لسعد بن معاذ.
إنه لايحرص كثيرًا على الحياة، بعد انتهاء الجهاد، وانتهاء المسؤولية، وتأدية الأمانة المناطة به في قيادة قومه لحرب الأحمر والأسود من الناس، فإذا انتهت الحرب ووضعت بين المسلمين وقريش، وشفى غيظ قلبه في الحكم في بني قريظة، وبدأ قطف الثمار للإسلام، فلاثمرة أشهى عنده من الشهادة (فافجر جرحي واجعل موتتي فيه) [1] .
وقد تحققت آماله، فقد أصدر حكمه في بني قريظة وشهد مصرع حلفاء الأمس أعداء اليوم، وهاهو جرحه ينفجر [2] .
وعندما انفجر جرحه نقله قومه فاحتملوه إلى بني عبدالأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل: انطلقوا فخرج وخرج معه الصحابة، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالهم، وسقطت أرديتهم إليه أصحابه، فقال: إني أخاف أن تسبقنا الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة، فانتهى إلى البيت وهو يُغسل، وأمه تبكيه وتقول:
ويل أم سعد سعدًا
حزامة وجدًا
فقال: كل نائحة تكذب إلا أم سعد، ثم خرج به قال: يقوم له القوم: ماحملنا يارسول الله، ميتًا أخف علينا منه. قال: ومايمنعه أن يخف، وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم قد حملوه معكم [3] .
وقد جاء في النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عدد الملائكة الذين شاركوا في تشييع جنازة سعد فقد قال - صلى الله عليه وسلم: هذا العبد الصالح الذي تحرك له العرش، وفُتحت
(1) انظر: التربية القيادية (4/ 71) .
(2) نفس المصدر (4/ 74) .
(3) انظر: سير أعلام النبلاء (1/ 287) إسناده حسن.