كانت هذه الخلوة التي حُببت الى نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - لونًا من الإعداد الخاص، وتصفية النفس من علائق المادية البشرية الى جانب تعهده الخاص بالتربية الإلهية والتأديب الرباني في جميع أحواله، وكان تعبده - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة بالتفكر في بديع ملكوت السموات، والنظر في آياته الكونية الدالة على بديع صنعه وعظيم قدرته، ومحكم تدبيره، وعظيم إبداعه [1] .
وقد أخذ بعض أهل السلوك الى الله من ذلك فكرة الخلوة مع الذكر والعبادة في مرحلة من مراحلة السلوك؛ لتنوير قلبه وإزالة ظلمته وإخراجه من غفلته وشهوته وهفوته، ومن سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة الاعتكاف في رمضان [2] وهي مهمة لكل مسلم سواءً كان حاكمًا أو عالمًا أو قائدًا، أو تاجرًا ... لتنقية الشوائب التي تعلق بالنفوس والقلوب، ونصحح واقعنا على ضوء الكتاب والسنّة، ونحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب [3] .
ويمكن لأهل فقه الدعوة أن يعطوا لأنفسهم فترة من الوقت للمراجعة الشاملة والتوبة، والتأمل في واقع الدعوة وماهي عليه من قوة أو ضعف، واكتشاف عوامل الخلل، ومعرفة الواقع بتفاصيله، خيره وشره، ولامانع من العزلة في بعض الأحيان إذا فشى الفساد وأصبحت الدنيا مؤثرة ومتابعة الهوى مطلبًا ولابد أن تكون إيجابية وليست سلبية وليتابع الطريق بعدها بما يحمله من الحق [4] .
وفي قول السيدة عائشة: (فيتحنث الليالي ذوات العدد) يقول الشيخ محمد عبدالله دراز: (هذا كناية عن كون هذه الليالي لم تصل الى نهاية القلة ولا إلى نهاية الكثرة، ومازال هذا الهدي الذي كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة من التوسط والاقتصاد في
(1) انظر: محمد رسول الله، محمد صادق عرجون (1/ 469) .
(2) انظر: الأساس في السنة وفقها السيرة النبوية، سعيد حوى (1/ 195) .
(3) انظر: فقه السيرة للغضبان.
(4) انظر: الطريق الى المدينة، محمد العبده.