كانت أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها قد سارعت الى إيمانها الفطري، والى معرفتها بسنن الله تعالى في خلقه، والى يقينها بما يملك محمد - صلى الله عليه وسلم - من رصيد الاخلاق، وفضائل الشمائل، ليس لأحد من البشر رصيد مثله في حياته الطبيعية التي يعيش بها مع الناس، والى ماألهمت بسوابق العناية الربانية التي شهدت آياتها من حفاوة الله تعالى بمحمد - صلى الله عليه وسلم - في مواقف لم تكن من مواقف النبوة والرسالة، ولا من إرهاصاتها المعجزة، وأعاجيبها الخارقة، ولكنها كانت من مواقف الفضائل الانسانية السارية في حياة ذوي المكارم من أصحاب المرؤات في خاصة البشر [1] .
كانت موقنة بأن زوجها فيه من خصال الجبلة الكمالية ومحاسن الأخلاق الرصينة، وفضائل الشيم المرضية، واشرف الشمائل العلية وأكمل النحائر الانسانية مايضمن له الفوز ويحقق له النجاح والفلاح فقد استدلت بكلماتها العميقة على الكمال المحمدي [2] ، فقد استنبطت خديجة رضي الله عنها من اتصاف محمد - صلى الله عليه وسلم - بتلك الصفات على أنه لن يتعرض في حياته للخزي قط، لأن الله تعالى فطره على مكارم الأخلاق، وضربت المثل بما ذكرته من أصولها الجامعة لكمالاتها.
ولم تعرف الحياة في سنن الكون الاجتماعية أن الله تعالى جمّل أحدًا من عباده بفطرة الاخلاق الكريمة، ثم أذاقه الخزي في حياته، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - بلغ من المكارم ذروتها، فطرة فطره الله عليها، لاتطاول ولاتسامي [3] .
ولم تكتفي خديجة رضي الله عنها بمكارم أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على نبوته بل ذهبت الى ابن عمها العالم الجليل ورقة بن نوفل رحمه الله الذي كان ينتظر ظهور نبي آخر
(1) انظر: محمد رسول الله، محمد الصادق عرجون (1/ 307) .
(2) انظر: محمد رسول الله، عرجون (1/ 307،308) .
(3) نفس المصدر (1/ 232) .