ثم استدعي حاطب - رضي الله عنه - للتحقيق فقال: يارسول الله، لا تعجل عليّ، إني كنت امرأ ملصقًا في قريش -يقول: كنت حليفًا- ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الاسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إما إنه قد صدقكم).
فقال عمر: يارسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال - صلى الله عليه وسلم: إنه قد شهد بدرًا، ومايدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم [1] ، فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (سورة الممتحنة، الآية 1) .
إن الآية السابقة رسمت منهجًا للمسلمين في تعاملهم مع الكافرين، فمعنى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} .
قال القرطبي: السورة أصل في النهي عن موالاة الكفار [2] والمراد بهم: المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء [3] .
وقوله: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} أي تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم وهم كافرون بنبيكم وبقرآنكم الذي أنزله الله عليكم بالحق الواضح.
(1) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح (5/ 105) رقم 4274.
(2) انظر: تفسير القرطبي (18/ 52) .
(3) انظر: تفسير ابن كثير (4/ 346) .