من قريش فقد ظلت بعض النفوس تود لو وقعت بينهم وبين أهل مكة المحاسنة والمودة، وأن لو انتهت هذه الخصومة القاسية التي تكلفهم قتال أهليهم وذوي قرابتهم، وتقطع مابينهم وبينهم من صلات، وكأن الله يريد استقصاء هذه النفوس واستخلاصها من كل هذه الوشائج، وتجريدها لدينه وعقيدته ومنهجه .... فكان يأخذهم يومًا بعد يوم بعلاجه الناجع البالغ، بالأحداث وبالتعقيب على الأحداث، ليكون العلاج على مسرح الأحداث وليكون الطرق والحديد ساخن [1] .
إن ماقام به حاطب أمر عظيم ولذلك نزل القرآن الكريم، يوجه المجتمع المسلم نحو مايجب عليهم فعله نحو أعداء دينهم، كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل حاطب معاملة رحيمة تدل على حرصه الشديد على الوفاء لأصحابه وإقالة عثرات ذوي السوابق الحسنة منهم، لقد جعل - صلى الله عليه وسلم - من ماضي حاطب المجيد سببًا في العفو عنه، وهذا منهج نبوي حكيم، فلم ينظر النبي - صلى الله عليه وسلم - الى حاطب من زاوية مخالفته تلك فحسب وإن كانت كبيرة، وإنما راجع رصيده الماضي في الجهاد في سبيل الله تعالى وإعزاز دينه، فوجد أنه قد شهد بدرًا، وفي هذا توجيه للمسلمين الى أن ينظروا الى أصحاب الأخطاء نظرة متكاملة، وذلك بأن ينظروا فيما قدموه لأمتهم من أعمال صالحة في مجال الدعوة، والجهاد، والعلم، والتربية، ... فإن الذي يساهم في إسقاط فروض الكفاية عن الأمة يستحق التقدير والاحترام، وإن بدرت منه بعض الأخطاء، هذا فيما إذا كان ماصدر من هؤلاء خطأ محض وزلة قدم، فكيف إذا كان ماصدر منهم رأي علمي ناتج عن الاجتهاد وهم أهل ذلك؟
إن بعض طلاب العلم في عصرنا هذا يتسرعون في نقد العلماء والدعاة بسبب آراء اجتهادية يرى بعض العلماء أنهم اخطئوا فيها، وقد يصل النقد الى حد السخرية
(1) في ظلال القرآن (6/ 358) .