ثانيًا: دخول خاشع متواضع، لا دخول فاتح متعال:
دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام [1] ، وهو واضع رأسه تواضعًا لله، حين رأى ماأكرمه الله به من الفتح، حتى أن ذقنه ليكاد يمس واسطة الرحل، ودخل وهو يقرأ سورة الفتح [2] ، مستشعرًا بنعمة الفتح وغفران الذنوب، وإفاضة النصر العزيز [3] ، وعندما دخل مكة فاتحًا -وهي قلب جزيرة العرب ومركزها الروحي والسياسي- رفع كل شعار من شعائر العدل والمساواة، والتواضع والخضوع، فأردف أسامة بن زيد [4] ، وهو ابن مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يردف أحدًا من أبناء بني هاشم وأبناء أشراف قريش وهم كثير، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين ليلة خلت من رمضان، سنة ثمان من الهجرة [5] .
يقول محمد الغزالي في وصف دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمكة:
على حين كان الجيش الزاحف يتقدم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقته تتوج هامته عمامة دسماء، ورأسه خفيض من شدة التخشع لله، لقد انحنى على رحله وبدا عليه التواضع الجمّ ... إن الموكب الفخم المهيب الذي ينسب به حثيثًا الى جوف الحرم، والفيلق الدارع الذي يحف به ينتظر إشارة منه فلا يبقى بمكة شيء آمن، إن هذا الفتح المبين ليذكره بماض طويل الفصول كيف خرج مطاردًا؟ وكيف يعود اليوم منصورًا مؤيدًا وأي كرامة عظمى حفّه الله بها هذا الصباح الميمون، وكلما استشعر هذه النعماء ازداد
(1) مسلم رقم 1358.
(2) البخاري، كتاب المغازي (5/ 108) رقم 4281.
(3) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص 396.
(4) البخاري، كتاب المغازي رقم 4289.
(5) انظر: السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي، ص 337.