إن السيرة النبوية غنية في ابعادها الأمنية منذ تربية الأفراد وحتى بعد قيام الدولة، وتظهر الحاجة للحركات الاسلامية والدول المسلمة لإيجاد أجهزة أمنية متطورة (في زمننا المعاصر) ؛ تحمي الاسلام والمسلمين من أعدائها اليهود والنصارى والملاحدة، وتعمل على حماية الصف المسلم في الداخل من اختراقات الأعداء فيه، وتجتهد لرصد أعمال المعارضين والمحاربين للاسلام، حتى تستفيد القيادة من المعلومات التي تقدمها لها أجهزتها المؤمنة الأمنية، ولابد أن تؤسس هذه الأجهزة على قواعد منبعها القرآن الكريم والسنّة النبوية، وتكون أخلاق رجالها قمة رفيعة تمثل صفات رجال الأمن المسلمين.
إن اهتمام المسلمين بهذا الأمر يجنبهم المفاجآت العدوانية (إذا عرفت العدو وعرفت نفسك فليس هناك مايدعوك الى أن تخاف نتائج مئة معركة، وإذا عرفت نفسك ولم تعرف العدو فإنك ستواجه الهزيمة في كل معركة) [1] .
إن بناء الأجهزة الأمنية، ومكاتب المعلومات التي تقدم للقيادة التقارير لوضع الخطط المناسبة على أثرها، ليس امرًا جديدًا، بل هو موغل في تاريخ الانسانية، وكذلك في تاريخ المسلمين منذ عصر النبوة والخلافة الراشدة حتى يومنا هذا.
إن من أسباب التمكين المهمة إعطاء هذا الأمر حقه من الاهتمام، والارتقاء به وتطويره بما يناسب أحوال العصر الذي نحن فيه [2] . كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشرف بنفسه على تربية أصحابه في كافة الجوانب، ووزعهم في أسر، فمثلًا كانت فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد وهو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، كانوا في أسرة واحدة مع نعيم بن عبدالله النحام بن عدي وكان معلمهم خباب بن الأرت، وكان اشتغالهم
(1) نفس المصدر، ص 311.
(2) انظر: فقه التمكين في القرآن، علي الصّلابي، ص 311.