بالقرآن لا يقتصرون منه على تجويد تلاوته وضبط مخارج حروفه ولا على الاستكثار من سرده، والإسراع في قراءته بل كان همهم دراسته وفهمه ومعرفة أمره ونهيه والعمل به [1] .
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يهتم بالتخطيط الدقيق المنظم، ويحسب لكل خطوة حسابها، وكان مدركًا تمامًا أنه سيأتي اليوم الذي يؤمر فيه بالدعوة علنًا وجهرًا، وأن هذه المرحلة سيكون لها شدتها وقوتها، فحاجة الجماعة المؤمنة المنظمة تقتضي أن يلتقي الرسول المربي مع أصحابه، فكان لابد من مقر لهذا الاجتماع، فقد أصبح بيت خديجة رضي الله عنها لا يتسع لكثرة الأتباع، فوقع اختيار النبي وصحبه على دار الأرقم بن أبي الأرقم؛ إذ أدرك الرسول عليه الصلاة والسلام أن الأمر يحتاج الى الدقة المتناهية في السرية والتنظيم، ووجوب التقاء القائد المربي بأتباعه في مكان آمن بعيد عن الأنظار، ذلك أن استمرار اللقاءات الدورية المنظمة بين القائد وجنوده هو خير وسيلة للتربية العملية والنظرية، وبناء الشخصية القيادية الدعوية.
ومما يدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعد أتباعه ليكونوا بناة الدولة وحملة الدعوة، وقادة الأمم هو حرصه الشديد على هذا التنظيم السري الدقيق، فلو كان مجرد داعية لما احتاج الأمر الى كل هذا.
ولو كان يريد مجرد إبلاغ الدعوة للناس لكان خير مكان في الكعبة حيث منتدى قريش كلها، ولكن الأمر -غير ذلك- فلابد من السرية التامة في التنظيم، وفي المكان الذي يلتقي فيه مع أصحابه، وفي الطريقة التي يحضرون إليها الى مكان اللقاء [2] .
2 -دار الأرقم بن أبي الأرقم (مقر القيادة) :
(1) انظر: الدعوة الاسلامية، د. عبدالغفار محمد عبدالعزيز، ص 96.
(2) انظر: دولة الرسول من التكوين الى التمكين، ص 218.