فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 1638

ولا معرفة الرجال والعلل وغيرها، ولم يختلط عليهم الصحيح بغيره، ومن ثمّ لم يقع عندهم التردد في ثبوت النص الذي وقع عند كثير ممن جاء بعدهم -خاصة من أصحاب النفوس المريضة، أو من الجهلة الذين لم يدرسوا السنّة ويفقهوها رواية ودراية [1] -فكانوا إذا سمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ابتدرته ابصارهم؛ كما يقول ابن عباس - رضي الله عنه - [2] .

2 -التأثر الوجداني العميق بالوحي والإيمان:

كان الصحابة يتعاملون مع العلم الصحيح ليس كحقائق علمية مجردة يتعامل معها العقل فحسب، دون أن يكون لها علاقة بالقلب والجوارح؛ فقد أورثهم العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله: محبته والتأله إليه، والشوق الى لقائه والتمتع بالنظر الى وجهه الكريم في جنة عدن، وأورثهم تعظيمه، والخوف، منه والحذر من بأسه وعقابه، وبطشه ونقمته وأورثهم رجاء ماعنده، والطمع في جنته ورضوانه، وحسن الظن به، فاكتملت لديهم -بذلك- آثار العلم بالله والإيمان به، وهي: الحب والخوف، والرجاء، وأورثهم العلم بالجنة والنار: الرغبة في النعيم الأبدي السرمدي والخوف من مقاساة العذاب الرهيب، فقلوبهم تتراوح بين نعيم ترجوه وتخشى فوته، وعذاب تحذره وتخشى وقوعه؛ فتعلقت قلوبهم بالآخرة -فكرة وخوفًا ورجاء-، حتى كأنهم يرون البعث والقيامة والميزان والصراط والجنة والنار رأي العين، وأورثهم علمهم بالقدر، وأنه أمر قد فرغ منه: التوكل على الله، وعدم التوكل على الأسباب، وعدم الفرح بما أوتو ولا الأسس على مامُنعوا، والإجمال في الطلب، إذ لن يفوت المرء ماقدر له، ولن يأتيه مالم يقدّر، كما غرس في نفوسهم الشجاعة والإقدام، وأورثهم علمهم بالموت وإيمانهم به: العزوف عن

(1) انظر: صفة الغرباء، ص 92،93.

(2) نفس المصدر، ص 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت