الدنيا، والإقبال على الآخرة، والدوام على العمل الصالح، إذ لايدري المرء متى يموت؟ والموت منه قريب وهذه المعاني الوجدانية هي المقصود الأعظم من تحصيل العلم، وإذا فقدت؛ فلا ينفع مع فقدها علم، بل هو ضررُ في العاجل والآجل [1] .
ولقد كان للصحابة -رضي الله عنهم- من هذه المعاني الوجدانية أعظم نصيب؛ لأن إيمانهم كان أعمق وأكمل من إيمان غيرهم ولقد تلقوه غضًا طريًا من النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَحْلَقْ بغبرة الأهواء والغفلان [2] .
وكان الصحابة فرسانًا بالنهار، ورهبانًا بالليل، لا يمنعهم علمهم وإيمانهم الحق وخشوعهم لله من القيام بشؤونهم الدنيوية؛ من بيع، وشراء، وحرث، ونكاح، وقيام على الأهل والأولاد وغيرهم فيما يحتاجون، وكانوا بعيدين كل البعد عن الإعجاب بالنفس، الذي أصيب به بعض المتعبدين ممن جاء بعدهم، فترتب عليه ازدرائهم واحتقارهم لأعمال الآخرين، واستهانة بمجهوداتهم في سبيل الدين وحطّ من قدرهم، فأصبحوا في الحقيقة متعبدين في محراب (الذات) معظمين لأنفسهم، وهذا مصدر كل رذيلة خلقية، وسبب لمحق كل عمل صالح.
والذين يصابون بهذه البليّة المردية يشعرون بأنهم -وحدهم- الأوصياء على الدين ويغلقون عقولهم وأعينهم عن رؤية فضائل الآخرين، فلا يرون إلا العيوب والمساوئ، بل تصبح الفضائل عندهم عيوبًا ومساوئ [3] .
خامسًا: شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثرها في صناعة القادة:
كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم أعظم مدرسة للتربية والتعليم عرفتها البشرية كيف
(1) انظر: صفة الغرباء، ص 97.
(2) نفس المصدر، ص 102.
(3) انظر: صفة الغرباء، ص 103،104.