لا، وأستاذها هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أستاذ البشرية كلها، وتلاميذها هم الدعاة والهداة، والقادة الربانيون الذي حرروا البشرية من رق العبودية وأخرجوهم، من الظلمات الى النور، بعد أن رباهم الله تعالى على عينه تربية غير مسبوقة ولا ملحوقة [1] .
في دار الأرقم وفق الله تعالى رسوله الى تكوين الجماعة الأولى من الصحابة الذين نقلهم من هباء الجاهلية الى نور الايمان، وأصبحوا جميعًا من عظماء الرجال ومشاهير العالم، وصناع التاريخ البشري، حيث قاموا باعظم دعوة عرفتها البشرية.
إن خريجي مدرسة الأرقم من عظماء الرجال في العالم، وهما الذين قامت عليهم الدعوة، والجهاد والدولة والحضارة فيما بعد؛ فلم يجد الزمان بواحد مثل أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص .... الخ.
لقد استطاع الرسول المربي الأعظم - صلى الله عليه وسلم - أن يربي في تلك المرحلة السرية، وفي دار الأرقم أفذاذ الرجال الذين حملوا راية التوحيد، والجهاد والدعوة فدانت لهم الجزيرة، وقاموا بالفتوحات العظيمة في نصف قرن.
كانت قدرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فائقة في اختيار العناصر الأولى للدعوة في خلال السنوات الثلاثة الأولى من عمر الدعوة، وتربيتهم وإعدادهم إعدادًا خاصًا ليؤهلهم لاستلام القيادة، وحمل الرسالة، فالرسالات الكبرى، والأهداف الإنسانية العظمى لا يحملها إلا أفذاذ الرجال، وكبار القادة، وعمالقة الدعاة كانت دار الأرقم مدرسة من أعظم مدارس الدنيا، وجامعات العالم، التقي فيها الرسول المربي بالصفوة المختارة من الرعيل الأول (السابقين الأولين) ، فكان ذلك اللقاء الدائم تدريبًا عمليًا لجنود المدرسة على مفهوم الجندية والسمع والطاعة والقيادة وآدابها وأصولها، ويشحذ فيه القائد الأعلى جنده وأتباعه بالثقة بالله والعزيمة والإصرار، ويأخذهم بالتزكية والتهذيب، والتربية والتعليم، كان هذا اللقاء المنظم
(1) انظر: دولة الرسول من التكوين الى التمكين، ص 219.