الأرض كافة، مسافة هائلة، وكانت النقلة التي يريدهم عليها بعيدة بعيدة، وكانت تسند الواقع أحقاب من التاريخ وأشتات من المصالح، وألوان من القوى، وقفت كلها سدًا في وجه هذا الدين الجديد، الذي لايكتفي بتغيير العقائد، والتصورات، والقيم والموازين، والعادات، والتقاليد، والأخلاق، والمشاعر، إنما يريد كذلك أن يغير الأنظمة والأوضاع، والشرائع والقوانين، كما يريد انتزاع قيادة البشرية من يد الطاغوت والجاهلية ليردها إلى الله، وإلى الإسلام) [1] .
(ولاشك أن ماحدث مرة يمكن أن يحدث مرة أخرى، فقد حدث ماحدث وفق سنة جارية، لاوفق معجزات خارقة. وقد قام ذلك البناء على رصيد الفطرة المدخرة لكل من يستنفذ هذا الرصيد، ويجمعه، ويطلقه في اتجاهه الصحيح) [2] .
إن التغيير الذي قاده النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنهج الله تعالى بدأ بالنفس البشرية وصنع منها الرجال العظماء، ثم انطلق بهم ليحدث أعظم تغيير في شكل المجتمع، حيث نقل الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن التخلف إلى التقدم، وأنشأ بهم أروع حضارة عرفتها الحياة [3] .
لقد قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنهجه القرآني بتغيير في العقائد والأفكار والتصور، وعالم المشاعر والأخلاق في نفوس أصحابه فتغير ماحوله في دنيا الناس، فتغيرت المدينة ثم مكة ثم الجزيرة ثم بلاد فارس والروم في حركة عالمية تسبح وتذكر خالقها بالغدو والآصال.
كان اهتمام المنهج القرآني في العهد المكي بجانب العقيدة، فكان يعرض بشتى
(1) انظر: هذا الدين، سيد قطب، ص 51،52.
(2) نفس المصدر، ص 65.
(3) انظر: نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني، ص 367 لتوفيق محمد سبع.