فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 1638

بمكانته وكرامته عند ربه، حيث أسجد له الملائكة، وأعلى كرامته وتفضيله على كثير من الخلق، ليقف الإنسان وسطا بين هذين الحدين: الأدنى والأعلى، فمكانته وكرامته يرى نفسه عزيزًا، وبأصله وسلالته يتواضع معظمًا شأن من أنشأه من ذلك الأصل، وأوصله إلى تلك المكانة العالية، فينجو بذلك من العجب والكبر والغرور، كما يمنعه عزه وكرامته من التذلل لغير الله تعالى، والإنسان لو تركه الإله دون هدى لعانى الكثير من سوء الفهم للنفس، بل إن عددًا من الناس قد يعانون من ذلك لسبب ما، كالإفراط في الثقة بنظرتهم الخاصة إلى أنفسهم التي قد تؤدي إلى الغرور والتعالي، وإما إلى الهوان والتدني [1] .

وذلك"أن نظرة الإنسان إلى نفسه من أقوى المؤثرات في تربيته وما زال الإنسان منذ وجد على وجه على الأرض مأخوذًا بسوء الفهم لنفسه: يميل إلى جانب الإفراط حينًا، فيرى أنه أكبر وأعظم كائن في العالم، فينادي بذلك وقد امتلأ أنانية وغطرسة وكبرياء، كما نادى قوم عاد: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} (سورة فصلت، الآية:15) وكما نادى فرعون {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى} (سورة، النازعات، الآية:24) . ويربأ بنفسه -أي الإنسان- أن يعتقد أنه مسؤول أمام أحد، ويتحول إلى متأله .. ويميل حينا آخر إلى جانب معاكس هو التفريط، فيظن أنه أدنى أو أرذل كائن في العالم، فيطأطئ رأسه أمام الشجر أو حجر، أو نهر أو جبل، أو أمام حيوان، بحيث لايرى السلامة إلا أن يسجد للشمس أو للقمر [2] ."

وقد بين القرآن الكريم بوضوح أن (حقيقة الإنسان ترجع إلى أصلين: الأصل

(1) اساليب التشويق في القرآن، د. الحسين جلو، ص 134.

(2) أنظر: أوصول التربية للنحلاوي، ص 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت