لأنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، أي أفسد فيما بينهم وهيّج الشر والمِراء، لتقع بينهم العداوة والبغضاء {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} أي: شديد العداوة للإنسان ولذلك فهو لايريد إلا الشر لهم، والعداوة فيما بينهم، وقد تربى الصحابة الكرام على خلق رفيع وأسلوب جميل في معاملة الناس من قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ - وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ - وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِي -} (سورة المؤمنون، الآيات:96 - 98) وقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بالخلة التي هي أحسن الخلال، أي بالصفح ومكارم الأخلاق، ادفع إساءة من يسيء إليك، فبهذا تعود عداوته صداقة وبغضه محبة [1] وقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} أي أعوذ بك من وساوسهم المغرية على الباطل والشرور والفساد والصد عن الحق، لأن الشياطين لاينفع معهم شيء ولاينقادون بالمعروف [2] {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِي} أي أعوذ بك ربِّ أن يحضروني في شأن من شؤوني أو في شيء من أمري، ولهذا أمر الشرع بذكر الله في ابتداء الأمور وذلك لطرد الشيطان.
وقال تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ - وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ -} (سورة فصلت، الآيات:34 - 36) وقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه، وقوله تعالى: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} كأنه ولي أي صديق أو قريب (حميم) أي شديد الولاء، ومعنى ذلك أنك إذا
(1) تفسير القاسمي (12/ 100) .
(2) انظر: المستفاد من قصص القرآن (1/ 85) .