فانطلق الاخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع الى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ماهو بالشعر. فقال: ماشفيتني [1] مما أردت [2] وعزم على الذهاب بنفسه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال أخوه له: (وكن على حذر من أهل مكة فإنهم قد شَنفِوا له وتجهموا) [3] .
(دروس وعبر وفوائد:
أ. شيوع ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين القبائل وأكثر من ساهم في ذلك مشركوا قريش بما اتخذوه من منهج التحذير والتشويه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولما جاء به، حتى وصل ذكره قبيلة غفار.
ب. تميز أبي ذر بأنه رجل مستقل في رأيه لا تؤثر عليه الإشاعات، ولا تستفزه الدعايات فيقبل كل ماتنشره قريش، ولذلك أرسل أخاه يستوثق له من خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيدًا عن التأثيرات الإعلامية.
ت. شدة اهتمام أبي ذر بأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكتف بالمعلومات العامة التي جاء بها أخوه أنيس، بل اراد أن يقف على الحقيقة بعينيها؛ حيث أن مجال البحث ليس عن رجل يأمر بالخير فحسب وإنما عن رجل يذكر أنه نبي ولذلك تحمل المشاق والمتاعب وشظف العيش، والغربة عن الأهل والوطن في سبيل الحق، فأبو ذر ترك أهله واكتفى من الزاد بجراب وارتحل الى مكة لمعرفة أمر النبوة [4] .
(1) ماشفيتني مما أردت: مابلغتني غرضي وأزلت عني هم.
(2) صحيح السيرة النبوية، ابراهيم العلي، ص 83.
(3) صحيح مسلم (4/ 1923) وشنفوا له أي أبغضوه وانظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/ 145) .
(4) انظر: الوحي وتبيلغ الرسالة، د. يحيى اليحيى، ص 91 الى 93.