ث. التأني والتريث في الحصول على المعلومة، حيث تأنى أبو ذر - رضي الله عنه -، لما يعرفه من كراهية قريش لكل من يخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهذا التأني تصرف أمني تقتضيه حساسية الموقف، فلو سأل عنه، لعلمت به قريش، وبالتالي قد يتعرض للأذى والطرد، ويخسر الوصول الى هدفه الذي من أجله ترك مضارب قومه وتحمل في سبيله مصاعب ومشاق السفر.
ج. الاحتياط والحذر قبل النطق بالمعلومة: حين سال علي - رضي الله عنه - ابا ذر - رضي الله عنه - عن أمره وسبب مجيئه الى مكة، لم يخبره بالرغم من أنه استضافه ثلاثة أيام، إمعانًا في الحذر، فاشترط عليه قبل أن يخبره أن يكتم عنه، وفي ذات الوقت أن يرشده، فهذا غاية في الاحتياط، وتم ماأراده.
ح. التغطية الأمنية للتحرك: تم الاتفاق بين علي وأبي ذر رضي الله عنهما على إشارة، أو حركة معينة، كأنه يصلح نعله، أو كأنه يريق الماء وذلك عندما يرى علي - رضي الله عنه - من يترصدهم، أو يراقبهم، فهذه تغطية أمنية لتحركهم اتجاه المقر (دار الأرقم) ، هذا الى جانب أن ابا ذر كان يسير على مسافة من علي، فيُعد هذا الموقف احتياطًا، وتحسبًا لكل طارئ، قد يحدث أثناء التحرك.
خ. هذه الاشارات الأمنية العابرة تدل على تفوق الصحابة رضي الله عنهم في الجوانب الأمنية، وعلى مدى توفر الحس الأمني لديهم وتغلغله في نفوسهم، حتى أصبح سمة مميزة لكل تصرف من تصرفاتهم الخاصة والعامة، فأتت تحركاتهم منظمة ومدروسة فما أحوجنا لمثل هذا الحس الذي كان عند الصحابة بعد أن أصبح للأمن في عصرنا أهمية بالغة في زوال واستمرار الحضارات [1] وأصبحت له مدارسه الخاصة وتقنياته المتقدمة، وأساليبه
(1) انظر: في السيرة النبوية قراءة لجوانب الحذر والحماية، د. ابراهيم علي، ص 58،59.