أمر عظيم! فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوثبوا وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون، أنت الذي تقول كذا وكذا -لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم- فيقول: نعم، أنا الذي أقول ذلك ثم أخذ رجل منهم بمجمع ردائه؛ فقام ابوبكر - رضي الله عنه - دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقول: ربي الله [1] .
4 -كان أبو لهب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أشد الناس عداوة له وكذلك كانت أمرأته أم جميل من أشد الناس عداوة للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وكانت تسعى بالإفساد بينه وبين الناس بالنميمة، وتضع الشوك في طريقه، والقذر على بابه فلا عجب أن نزل فيهم قول الله تعالى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ - سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ - وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ - فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ -} (سورة المسد) ، فحين سمعت مانزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس عند الكعبة، ومعه أبوبكر الصديق، وفي يدها فهر من حجارة؛ فلما وقفت عليهما قالت: ياابابكر! أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه! ثم انصرفت؛ فقال أبوبكر: يارسول الله أما تراها رأتك؟ فقال: لقد أخذ الله ببصرها عني وكانت تنشد مذمم أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفرح لأن المشركين يسبون مذممًا يقول: (ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذممًا ويلعنون مذممًا وأنا محمد) [2] .
وقد بلغ من أمر أبي لهب أنه كان يتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأسواق والمجامع، ومواسم الحج ويكذبه [3] .
(1) صحيح السيرة النبوية، ابراهيم العزي من طرق أخرى، ص 96.
(2) صحيح البخاري (فتح الباري 6/ 554 - 555) .
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/ 293) .