هذا بعض مالاقاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أذية المشركين وقد ختم المشركون أذاهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمحاولة قتله في أواخر المرحلة المكية [1] ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر مالاقاه من أذى قريش قبل أن ينال الأذى أحدًا من أتباعه -يقول- (لقد أُخفت في الله عز وجل ومايُخاف أحد، ولقد أوذيت في الله ومايؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولا لبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال) [2] .
ومع ماله - صلى الله عليه وسلم - من عظيم القدر ومنتهى الشرف، إلا أنه قد حظي من البلاء بالحمل الثقيل والعناء الطويل منذ أول يوم صدع فيه بالدعوة، ولقد لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - من سفهاء قريش أذى كثيرًا، فكان إذا مر على مجالسهم بمكة استهزؤا به، وقالوا ساخرين: هذا ابن أبي كبشة [3] ، يُكلم من السماء، وكان أحدهم يمر على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيقول له ساخرًا: أما كُلمت اليوم من السماء؟ [4]
ولم يقتصر الأمر على مجرد السخرية والاستهزاء والإيذاء النفسي، بل تعداه الى الإيذاء البدني، بل قد وصل الأمر الى أن يبصق عدو الله أمية بن خلف في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - [5] ، وحتى بعد هجرته عليه السلام الى المدينة لم تتوقف حدة الابتلاء والأذى، بل أخذت خطًا جديدًا، بظهور أعداء جدد، فبعد أن كانت العداوة تكاد تكون مقصورة على قريش بمكة؛ صار له - صلى الله عليه وسلم - أعداء من المنافقين المجاورين بالمدينة، ومن اليهود والفرس والروم، وأحلافهم، وبعد أن كان الأذى بمكة شتمًا وسخرية، وحصارًا، وضربًا، صار مواجهة عسكرية مسلحة، حامية الوطيس، فيها كر وفر وضرب وطعن؛ فكان ذلك بلاء
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/ 153) .
(2) سنن الترمذي (4/ 645) ، صححه الألباني صحيح الجامع (5001) .
(3) والد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة.
(4) الروض الأنف (2/ 33) ومابعدها.
(5) المصدر السابق نفسه (2/ 48) .