يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحدٌ أحد) [1] لم يكن لبلال - رضي الله عنه - ظهر يسنده، ولا عشيرة تحميه، ولا سيوف تذود عنه، ومثل هذا الانسان في المجتمع الجاهلي المكي يعادل رقمًا من الأرقام، فليس له دور في الحياة إلا أن يخدم ويطيع، ويباع ويشترى كالسائمة، أما أن يكون له رأي أو يكون صاحب فكر، أو صاحب دعوة أو صاحب قضية، فهذه جريمة شنعاء في المجتمع الجاهلي المكي تهز أركانه وتزلزل أقدامه، ولكن الدعوة الجديدة التي سارع لها الفتيان وهم يتحدون تقاليد وأعراف آبائهم الكبار لامست قلب هذا العبد المرمي المنسي، فأخرجته إنسانًا جديدًا على الوجود [2] ، فقد تفجرت معاني الإيمان في إعماقه بعد أن آمن بهذا الدين وانضم الى محمد - صلى الله عليه وسلم - وإخوانه في موكب الايمان العظيم وهاهو الآن يتعرض للتعذيب من أجل عقيدته ودينه فقصد وزير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصديق موقع التعذيب وفاوض أمية بن خلف وقال له: (ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى! قال: أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترى؛ فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به؛ قال: قد قبلت؛ فقال: هو لك فأعطاه ابوبكر الصديق - رضي الله عنه - غلامه ذلك وأخذه فأعتقه) [3] ، وفي رواية اشتراه بسبع أواق أو بأربعين أوقية ذهبًا [4] ، ما أصبر بلالًا وما أصلبه - رضي الله عنه -! فقد كان صادق الاسلام، طاهر القلب، ولذلك صَلُبَ ولم تلين قناته أمام التحديات وأمام صنوف العذاب، وكان صبره، وثباته مما يغيظهم ويزيد حنقهم، خاصة أنه كان الرجل الوحيد من ضعفاء المسلمين الذي ثبت على الإسلام فلم يوات الكفار فيما يريدون مرددًا كلمة التوحيد بتحد
(1) مسند احمد (1/ 404) بإسناد حسن.
(2) انظر: التربية القيادية (1/ 136) .
(3) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 394) .
(4) التربية القيادية (1/ 140) .