فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 1638

هكذا؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: اصبر، ثم قال: اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت) [1] ، ثم لم يلبث ياسر أن مات تحت العذاب.

لم يكن في وسع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقدم شيئًا لآل ياسر رموز الفداء والتضحية فليسوا بأرقاء حتى يشتريهم ويعتقهم، وليست لديه القوة ليستخلصهم من الأذى والعذاب، فكل مايستطيعه - صلى الله عليه وسلم - أن يزف لهم البشرى بالمغفرة والجنة ويحثهم على الصبر لتصبح هذه الأسرة المباركة قدوة للأجيال المتلاحقة ويشهد الموكب المستمر على مدار التاريخ هذه الظاهرة (صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) [2] .

أما عمار - رضي الله عنه - فقد عاش بعد أهله زمنًا يكابد من صنفوف العذاب ألوانًا، فهو يُصنَّف في طائفة المستضعفين الذين لا عشائر لهم بمكة تحميهم، وليست لهم منعة ولا قوة، فكانت قريش تعذبهم في الرمضاء بمكة أنصاف النهار ليرجعوا عن دينهم، وكان عمار يعذب حتى لايدري مايقول [3] ولما أخذه المشركون ليعذبوه لم يتركوه حتى سبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ماوراءك؟ قال: شر، والله ماتركني المشركون حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالايمان، قال: فإن عادوا فعد [4] ، ونزل الوحي بشهادة الله تعالى على صدق إيمان عمار، قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (سورة النحل، الآية:106) وقد حضر المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [5] .

(1) صحيح السيرة النبوية، ص 98.

(2) التربية القيادية (1/ 217،218) .

(3) انظر: محنة المسلمين في العهد المكي، ص 100.

(4) انظر: فقه السيرة الغزالي، ص 103.

(5) المصدر السابق نفسه، ص 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت