وفي حداثة بلال وعمار فقه عظيم يترواح بين العزيمة والرخصة يحتاج من الدعاة أن يستوعبوه ويضعوه في إطاره الصحيح وفي معاييره الدقيقة دون إفراط وتفريط.
4 -سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه:
تعرض للفتنة من قبل والدته الكافرة، فامتنعت على الطعام والشراب حتى يعود الى دينها. روى الطبراني أن سعدًا قال: أنزلت فيّ هذه الآية: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} (سورة العنكبوت، الآية: 8) .
قال: كنت رجلًا برًا بأمي فلما أسلمت قالت: ياسعد ما هذا الدين الذي أراك قد أحدثت، لتدعنَّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيّر بي فيقال ياقاتل أمه، فقلت لا تفعلي ياأمه فإني لا أدع ديني لشيء فمكثت يومًا وليلة لم تأكل فاصبحت قد جهدت، فمكثت آخر وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا وليلة أخرى لا تأكل فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت ياأمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ماتركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فأكلت [1] .
وروى مسلم: أن أم سعد حلفت أن لاتكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصّاك بوالديك، وأنا أمك وأنا آمرك بهذا، قال مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عماره فسقاها فجعلت تدعوا على سعد، فأنزل الله عز وجل في القرآن الكريم هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي} وفيها {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} .
قال فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصًا ثم أوجروها [2] ، فمحنة سعد
(1) تفسير ابن كثير (3/ 446) .
(2) صحيح مسلم (2/ 1877،1878) .