محنة عظيمة، وموقفه موقف فذ يدل على مدى تغلغل الايمان في قلبه، وأنه لايقبل فيه مساومة مهما كانت النتيجة [1] .
ومن خلال تتبع القرآن المكي نجد أنه رغم قطع الولاء سواء في الحب أو النصرة بين المسلم وأقاربه الكفار، فإن القرآن أمر بعدم قطع صلتهم وبرهم والإحسان إليهم ومع ذلك فلا ولاء بينهم، لأن الولاء لله ورسوله ودينه والمؤمنين [2] .
5 -مصعب بن عمير - رضي الله عنه:
كان مصعب بن عمير - رضي الله عنه - أنعم غلام بمكة، وأجوده حلة، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه مليئة كثيرة المال تكسوه أحسن مايكون من الثيات أرقه، وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرمي، من النعال [3] ، وبلغ من شدة كلف أمه به أنه يبيت وقعْبُ الحيس [4] عند رأسه فإذا استيقظ من نومه أكل [5] ، ولما علم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو الى الاسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم دخل عليه فأسلم وصدّق به، وخرج فكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، فكان يختلف الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرًا، فبصر به عثمان بن طلحة [6] يصلي فأخبر أمه وقومه، فأخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوسًا حتى خرج الى أرض الحبشة في الهجرة الأولى [7] .
قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه: لقد رأيته جهد في الاسلام جهدًا شديدًا حتى لقد
(1) انظر: محنة المسلمين في العهد المكي، ص 106.
(2) انظر: الولاء والبراء، محمد القحطاني، ص 174،175).
(3) الطبقات الكبرى (3/ 116) .
(4) القعب: القدح الغليظ، والحيس: تمر وأقط وسمن تخلط وتعجن.
(5) الروض الأنف (2/ 195) .
(6) سير أعلام النبلاء للذهبي (3/ 10 - 12) .
(7) انظر: محنة المسلمين في العهد المكي، ص 107.