رأيت جلده يتحشِّف، أي يتطاير، تحشِّف جلد الحية عنها، حتى إن كنا لنعرضه على قسبنا فنحمله مما به من الجهد [1] ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما ذكره، قال: (مارأيت بمكة أحدًا أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير [2] ، ومع كل ماأصابه - رضي الله عنه - من بلاء ومحنة، ووهن في الجسم والقوة، وجفاء من أقرب الناس إليه لم يقصر عن شيء مما بلغه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخير والفضل والجهاد في سبيل الله تعالى حتى أكرمه الله تعالى بالشهادة يوم أحد [3] .
يعتبر مصعب - رضي الله عنه - نموذجًا عن تربية الاسلام للمترفين الشباب، للمنعمين من أبناء الطبقات الغنية المرفهة، لأبناء القصور والمال والجاه، للمعجبين بأشخاصهم، المبالغين في تأنقهم، الساعين وراء مظاهر الحياة كيف تغيرت؟ ووقف بعد إسلامه قويًا لا يضعف ولا يتكاسل ولا يتخاذل، ولا تقهره نفسه وشهواته فيسقط في جحيم النعيم الخادع [4] .
لقد ودع ماضيه بكل مافيه من راحة ولذة وهناءة، يوم دخل هذا الدين وبايع تلك البيعة، وكان لابد له من المرور في درب المحنة، لكي يصقل إيمانه، ويتعمق يقينه، وكان مصعب مطمئنًا راضيًا، رغم ماحوله من جبروت ومخاوف، ورغم مانزل به من البؤس والفقر والعذاب، ورغم مافقده من مظاهر النعم والراحة [5] ، فقد تعرض لمحنة الفقر، ومحنة فقد الوجاهة والمكانة عند أهله، ومحنة الأهل والأقارب والعشيرة، ومحنة الجوع والتعذيب، ومحنة الغربة والابتعاد عن الوطن، فخرج من كل تلك المحن منتصرًا
(1) السير والمغازي لابن إسحاق، ص 193.
(2) الطبقات الكبرى (3/ 116) .
(3) انظر: محنة المسلمين في العهد المكي، ص 108.
(4) انظر: مصعب بن عمير الداعية المجاهد، محمد بريغش، ص 105.
(5) المصدر السابق نفسه، ص 105، 107.