واحد من أولئك السابقين الذين مدحهم الله في قرآنه العظيم [1] ، قال عنه ابن حجر: (أحد السابقين الأولين، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، ولازم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان صاحب نعليه) [2] .
(أول من جهر بالقرآن الكريم:
بالرغم من أنّ ابن مسعود كان حليفًا وليس له عشيرة تحميه، ومع أنه كان ضئيل الجسم دقيق السَّاقين، فإن ذلك لم يَحُلْ دون ظهور شجاعته وقوة نفسه رضي الله عنه، وله مواقف رائعة في ذلك منها ذلك المشهد المثير في مكة، وإبان الدعوة وشدة وطأة قريش عليها، فلقد وقف على مَلَئِهم وجهر بالقرآن، فقرع به أسماعهم المقفلة وقلوبهم المغلَّفة [3] ، فكان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة: اجتمع يومًا أصحاب رسول الله فقالوا: والله ماسمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبدالله بن مسعود: أنا! قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلًا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه! قال: دعوني فإن الله سيمنعني! قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} - رافعًا بها صوته - {الرَّحْمَنُ - عَلَّمَ الْقُرْءَانَ -} ، قال: ثم استقبلها يقرؤها، قال: فتأملوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أمِّ عبد؟ قال: ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ماجاء به محمد! فقاموا إليه فجعلوا يضربونه في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ماشاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثَّروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك! فقال: ماكان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدًا! قالوا:
(1) انظر: عبدالله بن مسعود، عبدالستار الشيخ، ص 43.
(2) الإصابة (6/ 214) .
(3) انظر: عبدالله بن مسعود، ص 45.