فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 1638

عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة المزمل، الآية 20) .

كان امتحانهم في الفرش ومقاومة النوم ومألوفات النفس لتربيتهم على المجاهدة، وتحريرهم من الخضوع لأهواء النفس، تمهيدًا لحمل زمام القيادة والتوجيه في عالمهم، إذ لابد من إعداد روحي عالٍ لهم، وقد اختارهم الله لحمل رسالته، وائتمنهم على دعوته، واتخذ منهم شهداء على الناس، فالعشرات من المؤمنين في هذه المرحلة التاريخية كانت أمامهم المهمات العظيمة في دعوة الناس إلى التوحيد، وتخليصهم من الشرك، وهي مهمة عظيمة يقدر على تنفيذها أولئك الذين {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} وقد وصف الله قيام الليل والصلاة فيه وقراءة القرآن ترتيلًا أي مع البيان والتؤده - بأنه {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} فهو أثبت أثرًا في النفس مع سكون الليل وهدأة الخلق، حيث تخلو من شواغلها وتفرغ للذكر والمناجاة بعيدًا عن علائق الدنيا وشواغل النهار وبذلك يتحقق الاستعداد اللازم لتلقي الوحي الإلهي {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} والقول الثقيل هو القرآن الكريم، وقد ظهر أثر هذا الإعداد الدقيق للمسلمين الأوائل في قدرتهم على تحمل أعباء الجهاد وإنشاء الدولة بالمدينة وفي إخلاصهم العميق للإسلام وتضحيتهم من أجل إقامته في دنيا الناس ونشره بين العالمين [1] .

لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مهتمًا بجبهته الداخلية وحريصًا على تعبئة أصحابه بالعقيدة القوية التي لاتتزعزع ولاتلين، وكان هذا مبعثًا لروح معنوية مرتفعة وقوية للدفاع وتحمل العذاب والأذى في سبيل الدعوة، وأصبحت الجماعة الأولى وحدة متماسكة لاتؤثر فيها حملات العدو النفسية، ولاتجد لها مكانًا في هذه الجماعة عن طريق المآخاة بين

(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/ 160) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت