تصرف دينا يتبع، وكل إغضاء خلقًا يتأسى به [1] .
وذكرت بعض كتب السيرة بأن قيادات مكة دخلوا في مفاوضات بعد ذلك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرضوا عليه إغراءات تلين أمامها القلوب البشرية ممن أراد الدنيا وطمع في مغانمها إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذ موقفًا حاسمًا في وجه الباطل دون مراوغة أو مداهنة أو دخول في دهاء سياسي أو محاولة وجود رابطة استعطاف أو استلطاف مع زعماء قريش [2] ، لأن قضية العقيدة تقوم على الوضوح والصراحة والبيان بعيدة عن المداهنة والتنازل ولذلك رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (مابي ماتقولون ماجئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليّ كتابًا وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ماجئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوا عليّ اصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم) [3] .
بهذا الموقف الإيماني الثابت رجع كيدهم في نحورهم، وثبتت قضية من أخطر قضايا العقيدة الإسلامية وهي خلوص العقيدة من أي شائبة غريبة عنها سواء في جوهرها أو في الوسيلة الموصلة إليها [4] .
{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}
ولما رأى المشركون صلابة المسلمين واستعلائهم بدينهم ورفعة نفوسهم فوق كل باطل ولما بدأت خطوط اليأس في نفوسهم من أن المسلمين يستحيل رجوعهم عن دينهم سلكوا مهزلة أخرى من مهازلهم الدالة على طيش أحلامهم ورعونتهم الحمقاء، فأرسلوا
(1) انظر: التربية القيادية (1/ 304) .
(2) انظر: الوفود في العهدالمكي، لعلي الأسطل، ص 37.
(3) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 197) ؛ التربية القيادية (1/ 305) .
(4) تاريخ صدر الاسلام، عبدالرحمن الشجاع، ص 39.