وبين أيديهم التوراة (فيه هدىً ونور) ، فلا غرابة أن تقول قريش عن دعوة الحق مايدل على ظلالها وجهلها إنها تهيئة للنفوس وتثبيت لها على الحق لملاقاة أعدءا الله المفترين المكذبين من المشركين ومن أهل الكتاب، ولم يكن هذا موقفهم من الانبياء الذين كذبوهم ولم يؤمنوا لهم؛ بل كانت لهم مواقف غريبة مشينة مع أعظم أنبيائهم الذين يفتخرون بنسبتهم إليه وهم يزعمون أنهم أهل كتابه الذي أنزل عليه وحملة شرائعه وهداياته إنه نبيهم موسى عليه السلام أعظم أنبياء بني اسرائيل قاطبة، وتذكر لنا سورة طه كيف كان الحال معه وماعاناه من سفههم وتمردهم على أوامر الله وعصيانهم المتعمد، فما كاد موسى عليه السلام يغادرهم لمناجاة ربه وقد ترك في ظهرانيهم أخاه هارون ليصلح من شأن القوم ولا يتبع سبيل المفسدين، إلا وتآمروا عليه وجمعوا زينة القوم ليخرج لهم السامري عجلًا جسدًا له خوار فيقوم الناس بالطواف به لعبادته وليقولوا كلمتهم الكبيرة {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} (سورة طه، الآية:88) . ولما عرف الحقيقة استدعى السامري ليسأل عن الدافع له على هذا التصرف السفيه، قال: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} (سورة طه، الآية: 96) .
إن قومًا يصل بهم السفه الى هذا الحد من الزيغ والضلال، والإفساد، فهل يؤمن جانبهم ويتوقع منهم الخير، أو مناصرة الحق؛ لقد كان لقصص بني اسرائيل في هذه المرحلة المكية المتقدمة آثار بعيدة الدلالة في تكوين الشخصية الاسلامية المتميزة عن هذه الطوائف والنحل [1] ومن لطائف الاسرار القرآنية ومن جميل وجوه المناسبات ان يأتي الحديث عن عالمية الدعوة الاسلامية من خلال ذكر العهد والميثاق المأخوذ على بني اسرائيل أنفسهم لكي يؤمنوا بالنبي الأمي عندما يأتيهم بدعوته العالمية، وكان ذلك
(1) انظر: معالم قرآنية في الصراع مع اليهود، ص 39،40.