ويمضي السياق في الحديث عن الأمم التي تكونت من الأسباط، وكيف فكت ضائقتهم في المطعم والمشرب بتفجير الينابيع وإنزال المن والسلوى عليهم، وتوفير الظلال الوارفة لهم بتظليل الغمام عليهم، ولكن هل أدوا شكر هذه النعم؟ وماذا كان موقفهم من التكاليف الشرعية؟ لقد كان العناد والتحريف، والتحايل والتمرد دائمًا.
إن إنسانية الانسان تتحقق باتباعه الوحي الرباني المنزل من خالق السماوات والأرض، والعبودية لله تعالى تحقق الكمال الانساني، حيث تتحقق الغاية التي خلق الانسان من أجلها، وأي إهمال لهذه المهمة وأي ابتعاد عن نور الوحي يبعد الانسان عن الكمال البشري ويلحقه بالدواب والأنعام، وقد يكون أضل منها لأنه يسخر عقله لمزيد من الاسفاف والانحطاط بينما البهائم لا تتحايل في الاسفاف والإنحطاط وإنما هي مفطورة على غرائز معينة تدفعها لتصرف محدد.
كانت سورة الاعراف المكية تعرض لمحات تربوية، وتبين توجيهات ربانية وتوضح سنن إلهية من خلال الاعتبار بقصص بني اسرائيل [1] .
عندما وجدت قريش نفسها عاجزة أمام دعوة الحق وكان المعبر عن هذا العجز النضر بن الحارث الذي صرح قائلًا: (يامعشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ماأوتيتم له بحيلة بعد ... فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمرٌ عظيم) فقرروا بعد ذلك إرسال النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط الى أحبار اليهود بالمدينة لمعرفة حقيقة هذه الدعوة لا لكي يتبعوها ولكن لإدراكهم أن اليهود قد يمدونهم بأشياء تظهر عجز الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولمعرفة زعماء مكة بحقد اليهود المنصب على الأنبياء جميعًا وأصحاب الحق إينما كانوا؛ كانت بعثة المصطفى صدمة قوية لليهود؛ وذلك لأنهم عاشوا في جزيرة العرب على حلم توارثوه طوال السنين الماضية، وهو أنه سيبعث نبي مُخلِّص في
(1) انظر: معالم قرآنية في الصراع مع اليهود، ص 55 الى 60.