من في الحبشة، فاطمئنوا إلى حسن إقامتهم في مكة، وممارستهم عباداتهم آمنين، فعادوا إلى مكة.
تلك خلاصة الأسطورة، والذين ذكروا القصة على خلال مواقفهم منها يقولون: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قالت قريش: (أما جعلت لآلهتنا نصيبًا فنحن معك) كبر عليه ذلك وجلس في بيته حتى أمسى، ثم أتاه جبريل فقرأ عليه سورة النجم فقال جبريل: أوجئتك بهاتين الكلمتين؟ - يقصد (تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترجى) فحزن الرسول حزنًا شديدًا وخاف من ربه، فأنزل الله عليه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [1] (سورة الحج، الآية:52) وحينئذ عاد الرسول إلى عيب آلهتهم وتسفيه عقولهم، وعادوا هم كذلك إلى إيذاء المسلمين.
2 -تفنيد القصة الباطلة:
أنكر هذه القصة الكثير من علماء الإسلام السابقين والمحدثين، نقلًا وعقلًا، وذلك لأنها تتنافى مع عصمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل وتطعن في نبوته عليه الصلاة والسلام كما أنها تتهاوى أمام البحث العلمي، ومن الأدلة النقلية على بطلانها،
أ- أن القرآن الكريم بين بوضوح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لايستطيع أن يتقول على الله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ - لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ -} (سورة الحاقة، الآيات: 44 - 46) .
ب- والله عزوجل قد أخبر بأنه يحفظ القرآن من أن يدخل عليه ما ليس منه أو ينقص منه شيء أو يحرف عن مواضعه، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
(1) فتح القدير (3/ 416) ، فتح الباري (8/ 355) ، اسباب النزول للسيوطي على هامش الجلاليين (2/ 16) ؛ الهجرة في القرآن الكريم، ص 296.