رضي الله عنه وأرضاه وكانت وفاته -رحمه الله- سنة تسع عند الأكثر وقيل سنة ثمان قبل فتح مكة [1] .
(دروس وعبر وفوائد:
إن ثبات المؤمنين على عقيدتهم بعد أن ينزل بهم الأشرار والضالون أنواع العذاب والاضطهاد، دليل على صدق إيمانهم وإخلاصهم في معتقداتهم، وسمو نفوسهم وأرواحهم، بحيث يرون ماهم عليه من راحة الضمير واطمئنان النفس والعقل، وما يأملونه من رضا الله جل شأنه أعظم بكثير مما ينال أجسادهم من تعذيب وحرمان واضطهاد، لأن السيطرة في المؤمنين الصادقين والدعاة المخلصين، تكون دائمًا وأبدًا لأرواحهم لا لأجسادهم، وهم يسرعون الى تلبية مطالب أرواحهم من حيث لايبالون بما تتطلبه أجسامهم من راحة وشبع ولذة، وبهذا تنتصر الدعوات وبهذا تتحرّر الجماهير من الظلمات والجهالات [2] .
مما يتبادر الى الذهن من هذه الهجرة العظيمة، هو شفقة هذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه، ورحمته بهم، وحرصه الشديد للبحث عما فيه أمنهم وراحتهم، ولذلك أشار عليهم بالذهاب الى الملك العادل الذي لايظلم أحد عنده، فكان الأمر كما قال صلوات الله وسلامه عليه، فأمنوا في دينهم ونزلوا عنده في خير منزل [3] ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي وجَّه الأنظار الى الحبشة، وهو الذي اختار المكان الآمن لجماعته ودعوته؛ كي يحميها من الإبادة، وهذه تربية نبوية لقيادات المسلمين في كل عصر أن تخطط بحكمة وبعد نظر لحماية الدعوة والدعاة، وتبحث عن الأرض الآمنة التي تكون عاصمة
(1) أسد الغابة (1/ 99) ، الإصابة (1/ 109) .
(2) السيرة النبوية للدكتور مصطفى السباعي، ص 57.
(3) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، ص 312.