عليهم بالسبق فقال: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ} ، وجاء في التفسير: إنهم هم الذين شهدوا بيعة الرضوان [1] ، فانظر كيف أثنى الله عليهم بهذه الهجرة وهم قد خرجوا من بيت الله الحرام الى دار الكفر، لما كان فعلهم ذلك احتياطًا على دينهم ورجاء أن يخلي بينهم وبين عبادة ربهم يذكرونه آمنين مطمئنين، وهذا حكم مستمر متى غلب المنكر في بلد وأوذى على الحق مؤمن ورأى الباطل قاهرًا للحق ورجا أن يكون في بلد آخر -أي بلد كان- خلي بينه وبين دينه ويظهر فيه عبادة ربه فإن الخروج على هذا الوجه حتى على المؤمن، هذه الهجرة التي لا تنقطع الى يوم القيامة {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (سورة البقرة، الآية: 115) [2] .
يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة الى ذلك، سواء كان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي إذا كان نصرانيًا عندئذ، ولكنه أسلم بعد ذلك، أو كان مشركًا كأولئك الذين عاد المسلمون الى مكة في حمايتهم عندما رجعوا من الحبشة، وكأبي طالب عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكالمطعم بن عدي الذي دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكة في حمايته عندما رجع من الطائف [3] .
وهذا مشروط -بحكم البداهة- بأن لاتستلزم مثل هذه الحماية إضرارًا بالدعوة الاسلامية، أو تغييرًا لبعض أحكام الدين، أو سكوتًا على اقتراف بعض المحرمات، وإلا لم يجز على المسلم الدخول فيها؛ ودليل ذلك ماكان من قفه - صلى الله عليه وسلم - حينما طلب منه أبو طالب أن يبقى على نفسه ولا يحمله مالا يطيق فلا يتحدث عن آلهة المشركين بسوء، فقد وطن نفسه إذ ذاك للخروج من حماية عمه وأبى أن يسكت عن شيء مما يجب
(1) تفسير الطبري (11/ 6) ، تفسير ابن كثير (2/ 331) .
(2) الروض الأنف للسهيلي (2/ 92) ؛ الهجرة في القرآن الكريم، ص 312.
(3) الهجرة في القرآن الكريم، ص 316.