تبليغ رسالة ربه إلى الناس كافة على مايلقى من الخلاف والأذى الشديد الذي أفاضت كتب الحديث وكتب السير بأسانيدها الصحيحة الثابتة في الحديث عنه، وتحمّل - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ماتنوء الجبال بحمله ولما تكالبت الفتن والمحن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بلده الذي نبت فيه وبين قومه الذين يعرفون عنه كل صغيرة وكبيرة عزم - صلى الله عليه وسلم - على أن ينتقل إلى بلد غير بلده وقوم غير قومه يعرض عليهم دعوته ويلتمس منهم نصرتهم رجاء أن يقبلوا منه ماجاءهم به من الله عزوجل، فخرج إلى الطائف وهي من أقرب البلاد إلى مكة [1] .
ثانيًا: رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقتدي بالأنبياء والمرسلين الذين سبقوه في الدعوة إلى الله، فهذا نوح لبث في قومه داعيًا {أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا } (سورة العنكبوت، الآية:14) ، فكانت هذه الأعوام الطويلة عملًا دائبًا، وتنويعًا متكررًا {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ - أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ - يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا - فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا - وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا - ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا - ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا -} (سورة نوح، الآيات:1 - 10) رغم امتداد الزمن الطويل، ماتوقف عن الدعوة ولاضعفت همته في تبليغها، ولا ضعفت بصيرته وحيلته في تنويع أوقاتها وأساليبها، قال الآلوسي في تفسيره: {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي} أي إلى الإيمان والطاعة {لَيْلًا وَنَهَارًا} أي دائمًا من غير فتور ولاتوان، ثم وصف إعراضهم الشديد،
(1) انظر: محنة المسلمين في العهد المكي، ص 36 الى 45.