وإصرارهم العنيد، ثم علق على قوله تعالى: {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} فقال: أي دعوتهم مرة بعد مرة، وكرة غبَّ كرة، على وجوه مختلفة وأساليب متفاوتة، وهو تعميم لوجوه الدعوة، بعد تعميم الأوقات، وقوله: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا} يشعر بمسبوقية الجهر بالسر، وهو الأليق بمن همه الإجابة لأنه أقرب إليها لما فيه من اللطف المدعو [1] .
فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينوّع ويبتكر في أساليب الدعوة ودعا سرًا وجهرًا، وسلمًا وحربًا، وجمعًا وفردًا، وسفرًا وحضر، كما أنه عليه الصلاة والسلام قصَّ القصص، وضرب الأمثال، واستخدم وسائل الإيضاح بالخط على الأرض، وغيره، كما رغَّب وبشَّر، ورهَّب وأنذر، ودعا في كل آن، وعلى كل حال وبكل أسلوب مؤثر فعال [2] ، فهاهو عليه الصلاة والسلام ينتقل إلى الطائف ثم يتردد على القبائل ثم يهاجر ويستمر في دعوة الخلق إلى الله تعالى.
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسعى لإيجاد مركز جديد للدعوة، وطلب النصرة من ثقيف، لكنها لم تستجب له وأغرت به صبيانها فرشقوه بالحجارة، وفي طريق عودته من الطائف التقى بعداس الذي كان نصرانيًا فأسلم، وأرَّخ الواقدي الرحلة في شوال سنة عشر من المبعث بعد موت أبي طالب وخديجة، وذكر أن مدة إقامته بالطائف كانت عشرة أيام [3] .
1 -لماذا اختار الرسول - صلى الله عليه وسلم - الطائف؟
كانت الطائف تمثل العمق الإستراتيجي لملأ قريش، بل كانت لقريش أطماع في الطائف، ولقد حاولت في الماضي أن تضم الطائف إليها ووثبت على وادي وج وذلك
(1) انظر: تفسير الآلوسي (10/ 89) .
(2) انظر: مقومات الدعوة والداعية، بادحدح، ص 123.
(3) طبقات ابن سعد (1/ 221) نقلًا عن السيرة النبوية الصححية (1/ 185) .