وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح [1] غير أن بني عمرو كانوا شديدي الحذر وكثيري التخوف، فلم يستجيبوا لدعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل بالغوا في السفه وسوء الأدب معه، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف وقال لهم: إذا فعلتم مافعلتم فاكتموا عني [2] وكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ قومه عنه فيؤزرهم ذلك عليه، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يود أن تتم اتصالاته تلك في جو من السرية وألا تنكشف تحركاته لقريش [3] ، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يهتم كثيرًا بجوانب الحيطة والحذر، فقد؛
أ- كان خروجه من مكة على الأقدام حتى لا تظن قريش أنه ينوي الخروج من مكة، لأنه لو خرج راكبًا فذلك مما يثير الشبهة والشكوك، وأنه ينوي الخروج والسفر الى جهة ما، مما قد يعرضه للمنع من الخروج من مكة دون اعتراض من أحد.
ب- واختيار الرسول - صلى الله عليه وسلم - زيدًا كي يرافقه في رحلته، فيه جوانب أمنية، فزيد هو ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتبني، فإذا رآه معه أحد، لا يثير ذلك أي نوع من الشك، لقوة الصلة بينهما، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - عرف زيدًا عن قرب، فعلم فيه الإخلاص والأمانة والصدق، فهو إذن مأمون الجانب، فلا يفشي سرًا، ويعتمد عليه في الصحبة، وهذا ماظهر عندما كان يقي النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجارة بنفسه، حتى أصيب بشجاج في رأسه.
ج- وعندما كان رد زعماء الطائف ردًا قبيحًا مشوبًا بالاستهزاء والسخرية، تحمله الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يغضب أو يثور، بل طلب منهم أن يكتموا عنه، فهذا تصرف غاية في الحيطة، فإذا علمت قريش بهذا الاتصال، فإنها لا تسخر منه فحسب، بل ربما شددت عليه في العذاب والاضطهاد، وحاولت رصد تحركاته داخل وخارج مكة [4] .
(1) سيرة ابن هشام (2/ 78) .
(2) سيرة ابن هشام (2/ 78) .
(3) انظر: أصول الفكر السياسي في القرآن المكي.
(4) السيرة النبوية جوانب الحيطة والحذر، ص 109،110.