لم يشعر لهذا الحزن المفضي والهم المتواصل ليدرأ عن نفسه الأذى أو ليجلب لنفسه شيئًا من حياة الهدوء والنعيم، بل هو يستعذب كل هذا الأذى من أجل الله تعالى، غير أنه مشفق من غضب ربه سبحانه أن يكون قصّر في أمر من أمور الدعوة من غير أن يشعر فيتعرض لشيء من غضب مولاه جل وعلا، فرضوان الله تعالى إذًا هو الهدف الأعلى عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو المطلب الأعظم الذي تُسَخَّر له كل المطالب، وإذا كان البلاء من الله تعالى من أجل أن يحل رضاه وينجلي سخطه فحيهلا بالبلاء، وهو ساعتئذ نعمة ورخاء.
ثم يختم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاءه بالكلمة العظيمة التي يقولها وعلمَّ أصحابه أن يقولوها عند حلول المكاره (ولا حول ولا قوة إلا بك) فلا تحوُّل للمؤمن من حال الشدة الى حال الرخاء، ولا من الخوف الى الأمن إلا بالله تعالى، ولا قوة على مواجهة الشدائد وتحمُّل المكاره إلا بالله جل وعلا [1] .
إن الدعاء من أعظم العبادات، وهو سلاح فعّال في مجال الحماية للإنسان وتحقيق أمنه، فمهما بلغ العقل البشري من الذكاء والدهاء فهو عرضة للزلل والإخفاق وقد تمر على المسلم مواقف يعجز فيها عن التفكير والتدبير تمامًا، فليس له مخرج منها سوى أن يجأر الى الله بالدعاء، ليجد فرجًا ومخرجًًا، فعندما لحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل الطائف الأذى والطرد والسخرية والاستهزاء وأصبح هائمًا على وجهه، لجأ الى الله بالدعاء فما أن انتهى من الدعاء حتى جاءت الإجابة من رب العالمين مع جبريل وملك الجبال [2] .
4 -الرحمة والشفقة النبوية:
(1) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (3/ 20) .
(2) انظر: السيرة النبوية جوانب الحيطة والحذر، ص 112، 113.