كانت رحمته وشفقته العظيمة هي التي تغلب في المواقف العصيبة التي تبلغ فيها المعاناة أشد مراحلها وتضغط بعنف على النفس لتشتد وتقسو، وعلى الصدر ليضيق ويتبرم، ومع ذلك تبقى نفسه الكبيرة ورحمته العظيمة هي الغالبة [1] .
فعن عائشة رض الله عنها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك مالقيت وكان أشدَّ مالقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني الى ماأردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب [2] ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وماردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال، فسلَّم عليَّ ثم قال: يامحمد فقال: ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: بل أرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لايشرك به شيئًا [3] .
كان أصابته - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد أبلغ من الناحية الجسمية، أما من الناحية النفسية فإن إصابته يوم الطائف أبلغ وأشد لأن فيها إرهاقًا كبيرًا لنفسه ومعاناة فكرية شديدة جعلته يستغرق في التفكير من الطائف الى قرن الثعالب [4] .
5 -من مناهج التغيير:
كان مقترح ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين، وهو يدخل تحت أسلوب
(1) انظر: مقومات الداعية الناجح، ص 76.
(2) هو قرن المنازل ميقات أهل نجد ويسمى الآن السيل الكبير.
(3) صحيح البخاري رقم 3231.
(4) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (3/ 26،27) .