الاستئصال وقد نفذ في قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط قال تعالى: {فَكُلأًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (سورة العنكبوت، الآية: 40) .
وكان هناك اقتراح آخر وهو أن يستمر في هجرته والابتعاد عن مكة والطائف الكافرتين؛ فالأولى أخرجته والثانية خذلته وعرض ذلك الأمر زيد بن حارثة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ابن القيم: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن لم يجد ناصرًا في الطائف، انصرف الى مكة ومعه مولاه زيد بن حارثة محزونًا وهو يدعو بدعاء الطائف المشهور، فأرسل ربه تبارك وتعالى ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة، وهما جبلاها اللذان كانت بينهما، فقال لا بل أستأني بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئًا، وأقام بنخلة أيامًا، فقال له زيد بن حارثة:(كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك. يعني قريشًا، وخرجت تستنصر فلم تنصر، يعني الطائف) فقال: (يازيد: إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه .. ) [1] .
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفض منهج الاستئصال وامتنع عن فكرة الاعتزال أو الهجرة المستمرة، ونظر الى المستقبل بنور الإيمان وقرر الدخول الى مكة الكافرة ليواصل جهاده الميمون ويستثمر كل مايستطيعه من أجل دعوة التوحيد لم يحتار النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المنهجين السابقين بل تقدم نحو المنهج البديل الذي عزم عليه وهو منهج يقوم على فكرة دخول مكة الكافرة وليس الانسحاب منها ويقوم على ضرورة الوجود على ذات الأرض التي يقف عليها الكافرون، واعتصار مؤسساتها واستثمار علاقاتها، وتحوير غاياتها ليتغذى بكل ذلك مجتمع المؤمنين الذي سيولد من أحشائها؛ أي أنه كان - صلى الله عليه وسلم -
(1) انظر: زاد المعاد (2/ 46) .