فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 1638

يريد أن يتخذ من أصلاب الكافرين مصانع بشرية تخرج أجيالًا من المسلمين المقاتلين في سبيل الله، فالنظر النبوي هنا مصوب نحو المستقبل بصورة جلية، ولم يكن ذلك يعني الانسحاب من الحاضر [1] ، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عزم على دخول مكة مرة ثانية؛ غير أن ظاهر الأحوال تدل على أن دخول مكة لم يكن أمرًا هينًا ولا آمنًا، وهنالك احتمال كبير للغدر به ولاغتياله من قبل قريش، التي لا يمكن أن تصبر أكثر؛ وهو قد أعلن الخروج عليها وذهب يستنصر بالقبائل الاخرى ويوقع بينها وبين حلفائها؛ ثم إنه حتى لو لم تكن هناك خطورة على شخصه، فإن دخوله الى مكة بصورة (عادية) وقد طردته الطائف، سيجعل أهل مكة يصورون الأمر كهزيمة كبيرة أصابت المسلمين ويجترئون عليهم ويزدادون سفهًا؛ ولذلك فقد اتجه نظر الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه المرة الى تفجير مكة من الداخل بدلًا من تطويقها من الخارج؛ أي أراد أن يتغلغل في داخل بطون قريش ذاتها، ويوجد له حلفاء من بينهم ويكوّن له وجودًا في قلبها [2] .

يذكر ابن القيم في كتابه زاد المعاد: (ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - لما انصرف من الطائف ولم يجيبوه الى مادعاهم إليه من تصديقه ونصرته، صار الى حراء ثم بعث الى الأخنس بن شريق ليجيره فقال: أناحليف والحليف لايجير؛ فبعث الى سهيل بن عمرو، فقال له: إن بني عامر لاتجير على بني كعب؛ فبعث الى المطعم بن عدي سيد قبيلة بني نوفل بن عبد مناف، بعث إليه رجلًا من خزاعة، أأدخل في جوارك؟ فقال: نعم: ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدًا، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى الى المسجد الحرام؛ فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى(يامعشر قريش إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم) ، فانتهى رسول

(1) انظر: أصول الفكر السياسي في القرآن المكي، ص 176.

(2) نفس المصدر، ص 177،178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت