خزاعة، ولو بذلنا له نصرنا وحالفنا، انتفعنا به وبقومه وانتفع بنا، فأتاه وجوههم، فقالوا ياأبا الحارث إنا قد ولدناك كما ولدك قوم من بني النجار، ونحن بعد متجاورون في الدار، وقد أماتت الأيام مايكون في قلوب بعضنا على قريش من الأحقاد، فهلم فنحالفك فأعجب ذلك عبدالمطلب وقبله وسارع إليه، ولم يحضر أحد من بني نوفل ولا عبد شمس [1] .
هذا النص يشير الى جذور الصراع التاريخي القديم بين خزاعة وقريش، حينما جمع قصي بن كلاب قريشًا من متفرقات المواقع، وقاتل بهم خزاعة التي كانت لديها رئاسة البيت وسيادة العرب، فأخرج خزاعة من البيت وقسم مكة أرباعًا على قريش، فما زالت خزاعة مبغضة لقريش كارهين لها؛ ولما اضطرب الأمر بين قريش وعبدالمطلب تحالفت خزاعة مع عبدالمطلب نكاية بقريش وإضعافًا لها؛ وليس صحيحًا أن الأيام قد أماتت ماكان في قلوب بعضهم على قريش من الأحقاد، كما ذكر وفدهم، بل الصحيح أن الأحقاد لم تزل حية والصارع لم يزل مستمرًا، ومما يدل على ذلك أن بني نوفل وبني عبد شمس لم يدخلا ولم يحضرا هذا الحلف؛ إذ أنه حلف مضاد لهما.
فإذا بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجلًا من خزاعة الى سيد قبيلة بني نوفل فإن هذا الفعل إشارة ظاهرة الى تلك الوقائع التاريخية التي ذكرناها، كما فيها تذكير بالحلف القديم بين عبدالمطلب وخزاعة، ضد بني نوفل وعبد شمسن ليفهم من ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لايقف معزولًا في مكة، وأنه قد يفعل ما فعله جده عبدالمطلب، فيتحالف مع خزاعة، أو يستنصر بالخزرج؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن في الواقع (يستعطف) المطعم بن عدي سيد بني نوفل ليدخل في جواره، بقدر ماكان يهدده ويثير مخاوفه، وحماية المطعم بن عدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تكن مجرد (أريحية) ونبل، بقدر ماكانت رعاية لمصلحته وحماية
(1) انظر: أنساب الأشراف للبلاذري (1/ 71) تحقيق محمد حميد الله، دار المعارف بمصر بدون تاريخ.