(إخباره عن العير الثالثة التي بالأبواء ووصفه الجمل الذي يقدمها، وإخباره بأنها تطلع ذلك الوقت من ثنية التنعيم، وقد تأكد المشركون فوجدوا أن ما أخبرهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان صحيحًا، فهذه الأدلة الظاهرة كانت مفحمة لهم ولا يستطيعون معها أن يتهموه بالكذب، كانت هذه الرحلة العظيمة تربية ربانية رفيعة المستوى وأصبح - صلى الله عليه وسلم - يرأى الأرض كلها بما فيها من مخلوقات نقطة صغيرة في ذلك الكون الفسيح، ثم ما مقام كفار مكة في هذه النقطة؟ إنهم لايمثِّلون إلا جزءًا يسيرًا جدًا من هذا الكون، فما الذي سيفعلونه تجاه من اصطفاه الله تعالى من خلقه وخصه بتلك الرحلة العلوية الميمونة وجمعه بالملائكة والأنبياء عليهم السلام، وأراه السموات السبع وسدرة المنتهى والبيت المعمور وكلمه جلا وعلا [1] ؟
4 -يظهر إيمان الصديق رضي الله عنه القوي في هذا الحدث الجلل، فعندما أخبره الكفار قال بلسان الواثق، لئن كان قال ذلك لقد صدق، ثم قال: إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، وبهذا استحق لقب الصديق، وهذا منتهى الفقه واليقين حيث وازن بين هذا الخبر ونزول الوحي من السماء، فبين لهم أنه إذا كان غريبًا على الإنسان العادي فإنه في غاية الإمكان بالنسبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - [2] .
5 -إن الحكمة في شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - وملء قلبه إيمانًا وحكمة استعدادًا للإسراء تظهر في عدم تأثر جسمه بالشق وإخراج القلب مما يؤمنه من جميع المخاوف العادية الأخرى ومثل هذه الأمور الخارقة للعادة يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لمقدرة الله تعالى التي لا يستحيل عليها شيء [3] .
(1) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (3/ 41،42) .
(2) نفس المصدر (3/ 43) .
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/ 189) .