بتخريب مملكة اليهود وجاس خلال الديار، وتفرقت بسبب ذلك بنو إسرائيل فنزلت طائفة الحجاز وطائفة يثرب وطائفة بواد القرى وذهبت شرذمة لمصر [1] ، وقد وقع هذا الدمار الفارسي لدولة اليهود في القرن السادس قبل الميلاد
(597 ق. م) [2] .
أما الدمار الثاني وهو الدمار الروماني للدولة اليهودية (بعد أن أعيد بناؤها) ، فقد وقع في القرن الميلادي الأول (70 م) وذلك حين هدم القائد الروماني (تيتوس) هيكل أورشليم وفر اليهود من وجه الاضطهاد الروماني السياسي الديني، وتتابعت هجرتهم وانتهى بعضهم إلى جنوب الجزيرة العربية حيث سبقهم أجدادهم الأوائل [3] .
فالشتات اليهودي في أطراف الجزيرة العربية مازال يحمل جرثومة الفساد في الأرض، فإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد استوعب الظاهرة القرشية واستعد لها، فعليه أن يحلل الظاهرة اليهودية ويستعد لها [4] ، فاليهود ليسوا مجرد أمة تاريخية كعاد وثمود تورد أخبارها للإرشاد والاعتبار، وإنما هم أمة لها حضور كثيف في الواقع العربي الذي يعيش فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويتحرك فيه لإقامة دولة الإسلام، فقد كانوا يشكلون فوق مكانتهم الإقتصادية مركز سلطة فكرية لما لهم من أحبار وأخبار وكتب تراث نبوي، تؤهلهم لتحديد مواصفات النبوة، وطلب المعجزات ووضع الشروط لصدق الرسل وصحة الرسالات، فإذا كانت قريش تستخدم الكعبة لمحاربة الإسلام، فإن اليهود قد كانوا يستخدمون التوراة لمحاربة القرآن، وإذا كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يتوقع معركة مع قريش فعليه أن
(1) انظر: أصول الفكر السياسي، ص 151.
(2) نفس المصدر، ص 152.
(3) ابن خلدون (2/ 206) .
(4) انظر: أصول الفكر السياسي، ص 152.