قال جابر بن عبدالله الأنصاري:
(مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعُكاظ ومجنّة وفي المواسم بمنى يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلّغ رسالة ربي وله الجنة؟ حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو مضر، فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لايفتننك، ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبقى دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام [1] .
أولًا: الإتصالات الأولى بالأنصار في مواسم الحج والعمرة:
1 -إسلام سويد بن الصامت:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لايسمع بقادم يقدم مكة من العرب، له اسم وشرف إلا تصدّى له ودعاه إلى الله وعرض عليه ماجاء به من الهدى والحق، فقدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجًا أو معتمرًا، وكان سويد يسميه قومه فيهم الكامل، لجَلَده، وشِعْره، وشرفه، ونسبه، فتصدى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سمع به، فدعاه إلى الله والإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (وما الذي معك) ؟ قال: مجلة [2] لقمان، فقال له رسول الله: (اعرضها علي) فعرضها عليه فقال: (إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا: قرآن أنزله الله علي، هو هدى ونور) ، فتلا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يُبعد منه، وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج، وقد
(1) مسند أحمد (3/ 322،322،323،339 - 340) بإسناد حسن.
(2) المجلة: الصحيفة، وتطلق على الحكمة أي حكمة لقمان.